محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

357

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

هذا بيّن ، وهو مبنيّ على ما تقدّم الآن من الكلام . رؤى الشبلي ، رضي اللّه تعالى عنه ، في المنام بعد وفاته ، فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : لم يطالبني بالبراهين على الدعاوى ، إلا على شيء واحد ؛ قلت يوما : لا خسارة أعظم من خسارة الجنة ودخول النار . فقال : وأيّ خسارة أعظم من خسران لقائي . وفي معناه أنشدوا : سهر العيون لغير وجهك باطل * وبكاؤهن لغير فقدك ضائع وقال بعضهم : كان عندنا رجل مكث عندنا ثلاث عشرة سنة يصلّي كل يوم وليلة ألف ركعة حتى أقعد من رجليه ، فإذا صلّى العصر احتبى واستقبل القبلة ، ثم قال : عجبت للخليقة كيف أرادت بك بدلا ، بل عجبت للخليقة كيف استأنست بسواك ، ثم يسكت إلى المغرب . إلهي : كيف يرجى سواك وأنت ما قطعت الإحسان . وكيف يطلب من غيرك وأنت ما بدّلت عادة الامتنان . هذا تعجيب ممن كان على هذا الوصف ، وهو أعجب من كلّ عجيب ، والمعنى في ذلك بيّن . يا من أذاق أحباءه حلاوة مؤانسته فقاموا بين يديه متملقين . التملّق : هو التلطّف في التودّد ، وترتبه على ذوقهم لحلاوة مؤانسته بيّن . ويا من ألبس أولياءه ملابس هيبته فقاموا بعزته مستعزين . استعزازهم بعزّته هو رفع هممهم عن تعليقها بغير اللّه تعالى تيها ، وتكبّرا عليها ، وثقة منهم به ، وذلك لما ألبسهم من ملابس هيبته حتى لم يهابوا معه غيره ، ولم تتأله قلوبهم إلى سواه ، ولذلك قالوا : المعرفة حقر الأقدار سوى قدره ، ومحو الأذكار سوى ذكره . قال بعض المشايخ : « إذا عظم الربّ في القلب صغر الخلق في العين » . وقيل في معنى قوله تعالى : تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ [ آل عمران : 26 ] قال : بأن يكون لك بك معك بين يديك . أنت الذاكر من قبل ذكر الذاكرين ، وأنت البادىء بالإحسان من قبل توجه العابدين ، وأنت الجواد بالعطاء من قبل طلب الطالبين ، وأنت الوهاب ، ثم أنت لما وهبتنا من المستقرضين الحقّ تعالى له الأولوية فيما ذكر كما ذكر .